العراق الجميل موسوعة تركمان العراق

عائلة تركمانية في كركوك

 

                                                      آن نيفات

 

آن نيفات، كاتبة وصحفية فرنسية من مواليد 1969 ، متخصصة في الشؤون الروسية ، وهي ابنة المؤرخ جورج نيفات . عملت كمراسلة صحفية لصحيفتي فرنسا الشرقية ولاسوار لتغطية أخبار الحرب الشيشانية  في 1999 ـ 2000 .  وقد نال كتابها ( الحرب الشيشانية ) جائزة ألبرت لوندر عام 2000 .كما نال كتابها (الجزائر) جائزة في عام 2001 ، والذي تطرقت فيه إلى حرب الابادة التي تعرض لها الشعب الجزائري على يد الاستعمار الفرنسي .  كتابها الأخير (في أعقاب الحرب ) الذي كتبته باللغة الفرنسية عن مشاهداتها  للحرب في أفغانستان والعراق نال بدوره جائزة أروان بيرغو ، وقد ترجم مؤخرا إلى اللغة الإنكليزية . يسرنا أن نقدم لقراء ( موسوعة تركمان العراق ) من كتابها الأخير  الفصل الخاص بالتركمان  :

 

 

يشكل التركمان الثقل السكاني الثالث في العراق بعد العرب والأكراد. ويتكلم هؤلاء التركمانية التي هي لهجة من اللغة التركية. ولهم علاقات متميزة مع تركيا ويقطنون المناطق الشمالية والوسطى من العراق.

 

ينحدر التركمان من أواسط آسيا وقد بدأ نزوحهم إلى العراق قبل آلاف السنين وتوالت على شكل حملات مكثفة حيث نما عددهم في عهد الخلافة العباسية وبدأ استيطانهم في كركوك والموصل إضافة إلى مناطق عدة في الشمال الغربي.

 

لا توجد معلومات أكيدة عن عدد نفوسهم، إلا أن الإحصاء الذي جرى عام 1957 إبان النفوذ البريطاني توصل إلى عددهم بواقع 000 590 نسمة ضمن ستة ملايين مواطن عراقي. ويدلنا هذا على أن عددهم يبلغ مليوني نسمة في وقتنا الحاضر.

 

غلاف كتاب (في أعقاب الحرب )

 

 زرت أثناء زيارتي لكركوك عددا من العوائل ومنها : عائلة أرشد الهرمزي المنضبطة في إتباع القواعد المرعية.[1] وجميع أفراد العائلة رجالا ونساء، يتوقفون عن نمط حياتهم اليومي خمس مرات لأداء الصلوات المفروضة.  النساء يرتدين وشاحا أبيضا عند أداء الصلاة ويغطين رؤوسهن عندما يفتحن الباب لأي طارق بأغطية تم الاعتياد عليها في منطقة الخليج الفارسي( وقد أحضرت صفاء، زوجة أرشد عددا من هذه الأغطية من السعودية لزوجة أخيها). ويغطي هذا الوشاح رأس المرأة ورقبتها وصدرها.

 

الطاقة الكهربائية ليست في متناول اليد دوما، لذلك فقد تم وضع مدفأة نفطية في غرفة الجلوس وأخرى في قاعة الطعام لتدفئة هذه الغرف الواسعة. وقد عاشت العائلة لسنوات في وضع لا تتمكن فيه من إصلاح زجاج النوافذ، إلا أن ألواحا جديدة قد استبدلت القديمة ولعلها هدية من الحكومة المحلية بعد سقوط نظام صدام حسين.

 

ندرت، التي تبلغ من العمر أربعين عاما هي من بنات أخت أرشد ومدرسة للغة الإنجليزية. يغلب عليها الانفعال عندما تتحدث عن تجاربها في التعليم في وقت اختلطت فيه الأمور. تقول ندرت:

" لا توجد تغييرات حيوية في المناهج الدراسية بعد انهيار النظام البغيض السابق، وبالطبع فإن الشعارات التي تمجد صدام قد أزيلت واستلمنا كتبا حديثة لا تحمل صور صدام حسين على غلافها. أما الكتب القديمة فأوعزنا إلى التلاميذ إزالة صور صدام حسين وقد قاموا بتمزيقها بانفعال وعفوية دون أن يدركوا تماما المعنى الذي يمثله ذلك. وكما كان متبعا في جميع المدارس الابتدائية والثانوية فقد كان يتحتم علينا أن نجتمع بضع ساعات في فناء المدرسة صباح كل يوم خميس للإنشاد بمآثر" القائد المحبوب". وقد لاحظ التلاميذ الآن مدى كرهنا لصدام، الأمر الذي كان يتحتم علينا أن نخفيه طلبا للنجاة. ويصعب على بعض الصغار أن يفهموا لماذا منعت هذه الأناشيد فقد اعتادوا عليها منذ نعومة أظفارهم. لا زلت أضبط أحيانا ابنتي التي تبلغ الثالثة من العمر وهي تترنم تلقائيا بمقاطع من هذه الأناشيد. فقد ترسخ اللحن في رأسها الصغير، وهذا ما كان يرمي إليه النظام على الأرجح. فقد كان كل الصغار يخضعون لعملية غسيل للمخ، وقد بدأوا الآن   بتعليم الصغار في مدارس الروضة ترتيل القرآن ولست أدري فيما إذا كان ذلك صحيحا؟. لقد ألغيت دروس " الوطنية" فقط من المناهج واستبدلت بمواد من التاريخ والجغرافيا. ودعيني أضيف، أن مقعدي الذي أحتله في المدرسة والمكون من أربعة قطع من الآجر التي يعلو بعضا البعض لم يتغير، ولازال الطلبة يرتعدون من برد الشتاء القارص."[2]

ومع ذلك فقد قامت منظمات اليونسكو واليونيسيف بطبع أكثر من سبعين مليون كتاب مدرسي في العراق والأردن ضمن برامجها التعليمية لتكون جاهزة في بداية السنة الدراسية التي تلي سقوط النظام. وقد تم حذف جميع المفردات الخاصة بالفكر البعثي، إلا أن إعادة النظر في جميع المؤثرات العقائدية في جميع المناهج وخاصة ما يخص التاريخ والجغرافيا أمر سيستغرق بعض الوقت. وستتضمن مناهج الدراسة الابتدائية فصولا عن حقوق الإنسان بما في ذلك تاريخ اعتماد العهود الدولية وكيفية تطبيقها ومن ذلك أحكام المحكمة الدولية لحقوق الإنسان والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف والتي يعرف العراقيون عنها النزر اليسير. كما سيدرس الأطفال خطورة الألغام الأرضية وكيفية التعرف عليها وطريقة التعامل عند العثور على أي منها.

 

وقد تم إنهاء خدمات حوالي اثني عشر ألفا من مجموع المدرسين البالغ عددهم 000 365 شخصا لكونهم أعضاء في حزب البعث، وهو الأمر الذي جرى تشجيعهم عليه في ردح من الزمن. وندرت، التي لم تنتم يوما إلى حزب البعث لازالت تدرس رغم كل الصعوبات. وقد ارتفعت رواتب الذين بقوا في الخدمة بشكل كبير، وهي التي كانت تتقاضى خمسة دولارات أصبحت تتقاضى 250 دولارا بمستوى أقل قليلا مما يتقاضاه أساتذة الجامعات. وقد بدأ اليونيسيف بتدريب ألفي مدرس  لمدة شهر على أصول وقواعد التدريس.

 

وتعترف ندرت بأن الشكوك تساورها حول هذا الوضع السياسي الذي لم يسبق له مثيل وتقول:

 

" أخشى أن معاناتنا ستستمر، وقد تختلف الكيفية، وهذه المرة ليس من جراء محاولات التعريب بل بفعل مجموعات أثنية أخرى.( والواضح أن ندرت تعني بذلك الأكراد دون أن تصرح بذلك). يروعني فعلا الإجهاز على وحدة العراق، هذا لأننا التركمان نريد أن نكون جزءا من العراق وليس جزءا من جزء( ولعلها تقصد بذلك إقليم كردستان). إننا نفضل حكومة مركزية لبلدنا يرأسها رئيس مقبول. لا نمانع إذا كان شيعيا، فلنا أحباء وأصدقاء من الشيعة وهم تركمان. أما شخصيا فإنني أفضل عودة النظام الملكي والشريف علي بن الحسين.[3] فالملكية تكون فوق الانقسامات، فقد كان العراق تحت ملكية دستورية مثل بريطانيا. وشخصيا فأنني أحن إلى حقبة الأمان والاستقرار التي كانت في العهد الملكي والذي حدثني عنه أجدادي التركمان. ولكن إذا طبقت الفيدرالية في البلد فيجب اعتبارنا واحدة من المكونات التي تمنح حق إقامة الفيدرالية. إن العراق عائلة واحدة كبيرة والتركمان يريدون أن يكونوا ضمن هذه العائلة الكبيرة. ولكنني أخشى أن تكون الفيدرالية موطيء قدم لتقسيم البلاد.

 

" في الحقيقة فإنني منزعجة بشكل خطير من جراء فقد الأمن والأمان، فالتفجيرات الانتحارية المتكررة التي حدثت في أربيل هي بالتأكيد نتيجة تصفية الحسابات بين الأصوليين من حزب الأنصار والحزبين الكرديين. إن الإرهابيين يشوهون صورة الإسلام والذي هو دين السلام والمحبة. إن بعض الإشاعات المغرضة تتقول بأن الأمريكيين أنفسهم هم وراء هذه الحوادث الإرهابية لتبرير تواجدهم في البلد. وعلى الأقل فإننا في وقت صدام لم نكن نخاف أن ننزل إلى الأسواق، إلا أننا نفتقد الأمان كلية في يومنا هذا.

 

" إن الجو العام في المدرسة هو الآخر مفعم بالشكوك، فقد ارتكبت مرة خطأ التصريح لتلامذتي بأننا غير جاهزون بعد للجو الديمقراطي. فقد تم التبليغ عني فورا لمديرة المدرسة الجديدة التي استدعتني للمثول أمامها في مكتبها. وأخطرت بأنني لم يكن ينبغي أن أصرح بذلك بل أننا يجب أن نتظاهر بأننا نستوعب الديمقراطية بحق وحقيق وأننا فرحون وجذلون بما يتحقق لبلدنا من مكاسب. وفي مناسبة أخرى فقد صرحت أمام التلامذة بأن عدم معاقبة من قاموا بنهب الممتلكات الحكومية غير مقبول وغير أخلاقي. لم أقل أن معظم هؤلاء كانوا من الأكراد، ولكن مرة أخرى اشتكت الطالبات الكرديات للمديرة بأنهن هن المقصودات، وإذا أردتم الحقيقة فإن الخوف يشل حركتنا جميعا."

 

ولأنها مواطنة تركمانية( وتعتبر من الأقليات القومية) ولأنها لم تنتم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ( وهذا هو السبب الحقيقي، فإنها لم تنظم إلى الأغلبية) فإن وضع ندرت الشخصي كان بالغ الحساسية في محيطها المدرسي، خاصة, إنها قد رفضت تغيير شريطها الإحصائي إلى القومية العربية. وبسبب ذلك فإنها وزوجها لم يكن في استطاعتهما إطلاقا شراء أي عقار في كركوك لأن ذلك كان ميزة ممنوحة للعرب فقط.[4] وتقول: بدأ الضغط يتزايد علينا في السنين الأخيرة لتصحيح القومية إلى العربية، وترجع ندرت بالذاكرة إلى الوراء فتقول: حسنا، لقد كنا نعلم علم اليقين بأننا حتى لو اتبعنا تلك التعليمات فلم يكن بالامكان اعتبارنا إلا مواطنين عرب على الورق فقط."

 

لقد اختلطت عليها الأمور بعد الاحتلال الأمريكي، فهي ساخطة لانقطاع الطاقة الكهربائية باستمرار من جراء قصف محطات التوليد الكهربائية في الحربين الأخيرين. فالجيش لا يملك قدرة إصلاح هذه الأعطال ولكنها تلقي باللائمة على الأمريكيين أيضا لكونهم قد بالغوا في القسوة. وتقول: يتناقل الناس أن الجنود كانوا يخرجون سكان المنازل من منازلهم بدعوى التفتيش ولكن الواقع أن هناك سرقات واختلاسات جرت في معظم هذه المساكن للحلي والذهب والنقود المدخرة في حين لم يكن أحد يجرأ على البوح بشكوى. لقد كان باستطاعتهم أن يكسبوا الكثير من التعاطف ويتفادوا المقاومة لو كان سلوكهم غير ذلك. لقد ظن الناس بأنهم قادرون على خلق المعجزات   ولكن الحقيقة سرعان ما اتضحت للناس بأن ذلك لم يكن هو الحقيقة.

 

أديب، زوج ندرت مهندس في شركة نفط الشمال منذ ما يناهز الثلاثين عاما.[5] ويقول أن ثلاثمائة شخص فقط قد فصلوا من وظائفهم بعد سقوط النظام من أصل حوالي عشرين ألف منتسب في الشركة التي تولى مسؤوليتها موظف مدني أمريكي. ورغم أن أديب تركماني ولم ينتم إطلاقا إلى حزب البعث ورفض تغيير قوميته فقد استطاع البقاء في الوظيفة لسنوات وهو ما يثير الإعجاب.

 

وسياسة التعريب التي اتبعها نظام البعث العراقي طيلة ثلاثة عقود من الزمن كانت ترمي إلى تغليب العنصر العربي على جميع المقومات القومية الأخرى وخاصة التركمان والأكراد. وقد دفعت هذه السياسة الكثير من التركمان والأكراد والآثوريين إلى النزوح عن مدنهم إلى مدن أخرى بما في ذلك المناطق الجنوبية العراقية غير المهيأة لاستقبالهم. ومن المعروف أن الحقوق الثقافية التي أقرت للتركمان ولو بصورة محدودة والتي سمحت بتدريس اللغة التركية في المدارس الابتدائية وإصدار الصحف ومحطة إذاعة محلية فإنها سرعان ما ألغيت في عام 1972.

 

أرشد، الذي يبلغ الخامسة والخمسين من العمر ولد في كركوك لأبوين تركمانيين اضطر أن يغادر العراق عام 1980 في وقت استعرت فيه الحرب العراقية- الإيرانية واستقر في منطقة الخليج ويرأس حاليا شركة للرعاية الصحية. وقد عاد إلى موطنه بعد فراق طويل للاحتفال بعيد الأضحى بين ذويه وأصدقائه بعد غياب دام ثلاثة وعشرين عاما.

 

ما شاهده أرشد الهرمزي أشعره بسعادة اللقاء، إلا أنه صدم بما رآه من تخريب في البنية الأساسية للمدينة والتخلف الذي أريد له أن يسود وسياسة العزل التي مورست على مواطنيه. ويروي أرشد أن صديقا له عاش في دولة الإمارات العربية المتحدة طيلة سبعة وعشرين عاما أفاد له بأنه صدم عندما رأى وضع مدينته والبؤس الذي يلفه وكأنه هبط على كوكب آخر. لقد تراءت له المدينة وكأنها أطلال خربة. وعندما زار المقبرة ليقرأ الفاتحة على قبر والدته شعر بالأسى لوضع طفل رث الثياب فعرض عليه قليلا من المال، إلا أن الطفل أبى أن يمد يده ورفض ذلك. وفي ذلك يقول صديقه بحزن بالغ: لقد خسر هؤلاء الناس كل شيء، إلا كرامتهم!

 

وكركوك، جوهرة ولاية الموصل العثمانية ورابع أكبر مدينة في العراق.[6] هي محل تجاذب شديد. وعندما بدأ الاحتلال الأمريكي، وإظهارا للود نحو بني جنسها،[7] حذرت تركيا بأنها سوف لن تسمح لقوات البيشمركة الكردية أن تحتل المدينة في شكل ملفت للنظر.[8] إلا أن الأكراد بذلوا كل ما بوسعهم للبقاء في المدينة. والأحزاب السياسية الكردية ترى أن كركوك تعود تاريخيا لمنطقة كردستان رغم أن السكان الأكراد هناك قد تناقصوا بشدة بسبب سياسات التعريب. وترى هذه الأحزاب أن عودة المهجرين الأكراد هو حق غير قابل للنقاش كما تعتقد أنها قد أصبحت على وشك الاستحواذ على كركوك بعد ثمانين عاما من النزال مع الأنظمة المتعاقبة في بغداد. وقد ذهب جلال الطالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني إلى حد مقارنة ذلك بالمطالب الفلسطينية في القدس. إلا أن التركمان يرفضون بحزم أن يكونوا جزءا من كردستان حتى عراقيا. ويدعي التركمان بحقوق تاريخية في كركوك باعتبارهم أول من سكن المدينة. وقوات التحالف قلقة من تفجر الوضع في هذه المدينة وعمدت إلى التأكيد بأن مجلس المحافظة يتشكل من عضوين لكل من العرب والأكراد والتركمان والآثوريين.

 

وأرشد مهتم باستمرار بالشأن التركماني في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، وقد نشر العديد من المؤلفات والبحوث حول الشأن التركماني إضافة إلى تواصله مع الإعلام العالمي ومن خلال المؤسسة الثقافية التي يشرف عليه في اسطنبول وفي ذلك يقول:

" كركوك تضم قوميات متعددة، إلا أن الطابع العام للمدينة كان تركمانيا دوما. وقد شكل التركمان ما لا يقل عن تسعين بالمائة من سكان المدينة حتى الخمسينات والستينات من القرن الماضي. إلا أن شركة النفط قامت باستخدام الكثير من العمال غير المهرة من خارج المدينة وكانت غالبية هؤلاء من الأكراد والذين سكنوا ضواحي المدينة الأصلية."

 

يوضح الهرمزي ما حدث إثر تحرير المدينة في العاشر من ابريل 2003 ووصول الأمريكيين إلى بغداد فيقول: " رغم الوعود التي قطعها الجيش الأمريكي فإن قوات الميليشيا التابعة إلى جلال الطالباني وقسما من قوات البرزاني قد غزت المدينة من السليمانية وأربيل. وقد احتلت هذه القوات المباني الحكومية وبدأت فورا بالإجهاز على الملفات الحكومية وخاصة ما يتعلق بالتسجيل العقاري والأحوال المدنية في محاولة لطمس الواقع القومي للمدينة. وقد طالت عمليات النهب كل شيء أمام بصر القوات الأمريكية التي شهدت هذه العمليات دون أن تحرك ساكنا. لقد شجبت تركيا وإيران وحتى السعودية عمليات التطهير العرقي. وقد حل التكريد محل التعريب. وقد طال الإحراج الأمريكيين فوعدوا أن قوات البيشمركة ستخلي المدينة خلال أربع وعشرين ساعة. وقد تظاهرت الميليشيات الكردية بإطاعة هذه الأوامر، ثم رجعت مجموعاتهم بعد أن غيرت زيها إلى الملابس المدنية لتنفيذ المهمات نفسها. وقد قامت فورا بتغيير جميع اللوحات الرسمية إلى الكردية."

 

ويضيف قائلا: " لقد انتهكت حرمات التركمان بسبب عدم سيادة العدل. وقد عمدوا إلى تنصيب محافظ كردي، وأتساءل، هل كان ذلك نوعا من الرد على قرار البرلمان التركي بعدم التورط في الحرب[9]. إلا أن من الواضح أن هناك قرارا بمعاقبة التركمان لأنهم لم يتعاونوا معهم بالشكل الذي أرادوه. أما مجلس الحكم المكون من خمسة وعشرين عضوا جاءوا بدعوى أنهم يمثلون الشعب، فهناك عضو واحد من التركمان، وقد احتلت هذا المقعد امرأة تركمانية لا ماض سياسي لها.بينما منح الأكراد خمسة مقاعد. وهذا أمر مشين. لم يكتف الأمريكيون باتخاذ القرار نيابة عنا، بل تجاهلوا الواقع السياسي في بلدنا أيضا. أتصور أنهم سينصبون قبل مغادرتهم حكومة موالية لهم. إننا ممتنون لأنهم أنقذونا من نظام صدام حسين، رغم أن الكل قد أصبح يعلم بأنه لم يكن يمتلك أسلحة للدمار الشامل، لكننا لا نريد الآن شيئا منهم!"

 

وقد أبدى أرشد أمله في أن تفرز انتخابات عام 2005 عن نتائج تصور الواقع التركماني الحقيقي، فالوضع الهش للمدينة يجب الحفاظ عليه من الانفجار، ولذلك يجب الاحتكام إلى القواعد الدولية والمؤسسات العالمية الخاصة. وفي ذلك يقول:

" ليس لدينا كتركمان أية ضغينة تجاه العرب الذين وصلوا إلى المدينة قبل خمسة وعشرين عاما وولد أبناؤهم على هذه الأرض، فنحن لا ندعي أن كركوك مدينة مغلقة للتركمان، إلا أننا لا نتسامح في نفس الوقت في تسميتها بمدينة كردية. نحن نريد كركوك عراقية، وهذا ما يثبت أننا لا نحمل أي كره لمواطنينا العرب."

 

وتأكيدا لما أكده، فقد رتب أرشد الهرمزي لي لقاء مع الدكتور سعدالدين أركيج، رئيس مجلس التركمان، وهو المجلس الذي أضحى يمثل التركمان منذ"التحرير"، ويعود الفضل لهذا المجلس في إنشاء محطة تلفزيونية محلية ومحطة إذاعية تذيع بالتركية.كما أسست في مدارها جمعيات واتحادات للحرفيين والتجار بعد الإطاحة بنظام صدام. ويدافع المجلس عن حقوق المواطنين التركمان إلا أنه لا يلجأ إلى استخدام القوة ويرفض العنف. إلا أن من نافلة القول أن هناك سخطا شعبيا عارما تجاه الممارسات الكردية الاستفزازية.

 

على ساريتي منزل تحيط به حديقة ذات أشجار مثمرة يرتفع علمان: العلم العراقي والعلم التركماني. والأخير ذو خلفية زرقاء يتوسطه هلال ونجمة بيضاء. يقول أركيج: " كان علينا التحرك سريعا، وبعكسه فقد كان الفراغ سيملأ كلية من قبل الأحزاب الكردية التي احتلت مدينتنا. إلا أن نضالنا هو سلمي وديمقراطي". ويشير أركيج إلى تظاهرة نظمت في اليوم الأخير من ديسمبر 2003 وأشترك فيها الآلاف من التركمان والعرب في ساحة مركزية في كركوك، وقد توجه المتظاهرون إلى مبنى المحافظة لعرض مطالبهم على المحافظ الكردي الجديد. إلا أن قوات البشمركة المسؤولين عن الحماية أطلقوا النار على المتظاهرين فأردوا ثلاثة منهم قتلى.[10]

 

" لقد اختلطت الأمور علينا بعد"التحرير"، فقد كنا تعتقد بأنه سوف لن يكون أسوأ من صدام حسين. وكنا على خطأ!. لقد بدأ الأكراد بالتصرف مثل الديكتاتور الذي كان يقمعهم. ولنكن واضحين: إن هذه المدينة تتوسط منطقة تاريخية ولن يخرجنا أحد منها ولن يمنع أحد التركمان من التعبير عن عميق استيائهم. وإذا كان الأكراد يرمون إلى حرماننا من موارد البترول والاستحواذ على هذه المنابع لترسيخ نفوذهم والبحث عن اعتراف دولي بهم فإنهم سوف لن يحققوا ذلك. كنا نعتقد أن معاناتنا المشتركة قد قربتنا من الشعب الكردي أكثر وأكثر، إلا أن الأكراد أصبحوا عدوانيين وغير عادلين. وبصراحة فلا مشكلة لدينا مع كل من سكن هذه المدينة منذ عشرات السنين ولكننا محبطون من غزو المتطفلين والطارئين على المدينة والذين يطرقون أبواب السكان بدعوى أنهم يطالبون بممتلكات سابقة لهم. لقد تم تحريضهم من قبل الساسة الأكراد الذين يخططون لمآربهم السياسية."

 

مثل كل مدن العراق الكبيرة، لا يوجد في كركوك، مدينة الذهب الأسود كما تسمى، أي تناغم فني. فالمكعبات الخرسانية تفصل الدور المبنية بالآجر والتي تتكون من طابق واحد وعادة ما تكون جدرانها الخارجية مطلية بصبغ ذهبي أشد حدة. ويوضح أرشد هذا التباين بأن التناغم الفني للمدينة قد فقد بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ونقص في التعليم الفني أدى إلى تخلف البلد في مسايرة الأحداث لعقود من الزمن. ويؤكد أن كركوك كانت منذ العشرينات مدينة تبنى منازلها بالصخور والرخام ومصبوغة بلون أبيض نظيف. وقد لاحظت أن سقالات البناء هي خشبية تماما كما هو الحال في كابل، مربوطة إلى بعضها بشدة. وتتراءى مثل عيدان الكبريت الضخمة والتي تضفي على أعمال البناء منظرا هشا غريبا.

 

وعلى تل مهيب نقف وتحتنا يتلوى نهر الخاصة وأرى القلعة التي رفض قائد تركي أن يرفع عليها العلم العراقي يوما ما حتى بعد إبرام المعاهدة التي تركت مدينة كركوك للحكم العراقي.[11]. ورغم أن القلعة دمرت من قبل صدام حسين عام 1994 ونهبت عن آخرها فإنها لازالت رائعة. بدأنا نتجول بين منازل تتوارى خلف جدران ناصعة البياض وتطل على فنائها غرف جميلة لم تصل إليها يد التخريب، وأغرت آلة التصوير المتطورة التي يحملها أرشد بعض الصبية الذين يلعبون بين الصخور فالتحقوا بنا. وصلنا إلى منزل توما هندي، أحد القساوسة المعروفين في الوسط المسيحي الذي كان يبلغ 150 عائلة استوطنت القلعة عام 1920، وهو من المنازل التي تم الحفاظ عليها ويعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر ويحتوي على أعمدة وغرف استقبال تطل على السوق الكبير.

 

وأقدم المباني التي شيدت في كركوك، يعود تاريخه إلى الأتراك السلاجقة في القرن الثاني عشر وتعلوه منارة فيروزية ويضم ضريحا للنبي دانيال، حاكم بابل عندما كانت المنطقة تدار من قبل نبو خذ نصر.[12] ويتكون من قاعة واسعة مظلمة تتلقى العديد من الزوار. وكانت امرأتان محجبتان في وسط القاعة عندما كنت هناك، خلعتا أحذيتهما وطفقتا تمشيان على الأرضية الباردة. وتقع إلى جوار الضريح مقبرة عثمانية كانت العوائل الموسرة تفضل دفن موتاها فيها على مقربة من الرجل الجليل.

 

وعندما وصلنا منطقة طالها الخراب فقد رأينا سراقا في جرم مشهود، كانوا خمسة أكراد ولم يهتموا حتى بإخفاء هوياتهم، يخاطبون بعضهم البعض بلغتهم المحلية ويلبسون سراويلهم الخاصة بقومهم. كانوا يبحثون بين الأطلال عن مخلفات الحديد أو قطع الأواني الفخارية المطرزة بآيات قرآنية والتي يسهل بيعها.

 

كان الأطفال الثلاثة الذين قرروا أن يرافقوا رحلتنا لطيفين ومفعمين بالحيوية. وعندما عرض عليهم أرشد بعض الحلوى رفض الأول ثم الثاني، وعندما مد الثالث يده ليأخذ القطعة بدأ الاثنان بالضحك عليه وتسميته بالكردي. ليس لهم أصدقاء أكراد كما أفادونا لأنهم يعيشون في منطقة يسكنها التركمان فقط ويرتادون مدرسة لا يرتادها إلا التركمان. ولعل ذلك يفيد بأن التقارب بين القوميات أصبح في يومنا هذا بعيد المنال.

 

وأخيرا نزور عطا ترزي باشي، أحد قدامى المحامين في كركوك. إنه أديب تركماني معروف وله تسعة مؤلفات عن الأدب والشعر التركماني. وقد ود أرشد أن يزوره للتهنئة بعيد الأضحى، وترزي باشي هو الآخر لا يتوانى عن نقد الأوضاع:

" لقد أصبحت لنا فسحة من الحرية للتعبير، ولكننا فقدنا الإحساس بمستقبل آمن. ولعلنا يجب أن نتعايش مع هذا الجو المضطرب. لا أرى مستقبلا لبلد في ظل احتلال يحاول أن يحرض مجموعة على أخرى. لم يكن البريطانيون في تشدد الأمريكيين عندما احتلوا العراق. فقد أولى البريطانيون اهتماما لمشاعر الناس، فقد جاءوا بحفيد الملك فيصل إلى الوطن. وسواء رحل الأمريكيون أم بقوا فلا مناص من العيش في جو مضطرب، إننا في مأزق فعلا."

 

كنا ننصت إليه ونحن نرتشف فناجين القهوة عندما دخل اثنان من زملائه الشباب قدما للتهنئة بالعيد، أحدهما كردي والآخر آثوري وكلاهما عضوان في المجلس المحلي للمدينة والذي نصبه الأمريكيون. ويبدأ فورا نقاش حيوي يغلب عليه الأدب الرفيع ولكن كل طرف يحاول أن يبقى على موقفه بقوة واعتداد. والاثوري، صاحب متجر مفعم بالحيوية ويلبس ملابس أنيقة. إنه محبط بسبب عدم حصول المجلس على صلاحيات فعلية وعدم وجود ميزانية مخصصة للمجلس. فالسكان يطرحون عليهم المشاكل، ولكن لا يستطيع أحد أن يحل أي جزء منه.

 

أما الكردي فبالمقابل يتحدث عن الظلم الذي لحق بقومه الذي فقد سلوك التسامح من جراء ذلك. وفي خضم اللقاء يذكر أن الدستور العراقي الأول والصادر في عام 1925 قد أقر بأن العراق يتكون من عنصرين رئيسيين هما العرب والأكراد.

 

يبادر أرشد باستياء لتصحيح ذلك قائلا بأنه وعلى عكس ما قيل فإن الدستور العراقي الأول كان مناهضا للتمييز العنصري

أو الديني أو اللغوي، كان العراقيون سواسية أمام القانون. ولم يأت التمييز إلا في دستوري 1958 و1970 حين ذكر

" العرب والأكراد" وميزهم عن الآخرين. ويضيف أرشد: إننا نعتقد بأن دستور عام 1925 كان أحسن من كل الدساتير التي أتت من بعده بالرغم من أنه كان يبشر بنظام ملكي.

 

وعندما جلسنا في اليوم الأخير من رحلتي إلى مائدة فطور أنيقة في قاعة الطعام التي يفصلها عن قاعة الجلوس باب منزلق على الطريقة اليابانية، تقودني ندرت إلى نقاش أخير متحمس حول أحوال العراق. تقول المدرسة الشابة بصراحة متناهية: " إن الأعداء الجدد هم الأمريكيون". وتتسع حدقتا ندرت في عيونها ذات اللون الكستنائي وتهز رأسها الذي يجلله شعر قصير أسود اللون بحيوية وانفعال:" لقد دعموا صدام لحين احتلاله الكويت. قبل ذلك جرى تحريضه بشكل جلي لإعلان الحرب على إيران لإضعاف البلد. لقد كان زمن صدام بغيضا، ولكننا الآن في ظل احتلال من أفراد لا يفهموننا على الأرجح. هل كان ذلك ضربا من التحسن؟"

 

 

* ترجمة للفصل الوارد في كتاب The Wake of War ( في أعقاب الحرب) للباحثة الفرنسية آن نيفات، والصادر من دار مطبوعات بيكون في بوسطن، الولايات المتحدة الأمريكية.

 

 



[1]  يكتب اسمه بهذا الشكل في العربية، بينما يجري تلفظه على أساس أرشاد هورموزلو في اللغة التركية. والهرمزي هو مؤلف كتاب" التركمان والوطن العراقي"( اسطنبول، مؤسسة وقف كركوك للثقافة والأبحاث، 2003)، وهو مؤلف شامل يقوم بتعريف المواطنين التركمان وجذورهم التاريخية وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية في العراق للإعلام الغربي.

[2]   المقرر الدراسي في موضوع " الوطنية " على سبيل المثال كان يحوي عشرات الصفحات عن حرب العراق مع إيران التي كان يشار إليها فقط بالنظام الفارسي.وتتصدرها صورة صدام حسين بالزي العسكري  وهو يخطب في جنوده . كان الرئيس يسمى بالقائد المظفر والقائد العظيم والمؤمن.

[3]  الشريف علي بن الحسين هو واحد من ثلاثة يدعون بالعرش الهاشمي إلى جانب الأمير رعد بن زيد والأمير حسن من أمراء الأردن.وقد تمت الإطاحة بالنظام الملكي عام 1958.

[4]  بناء على سياسة نظام بغداد بصدد التعريب فإن منتسبي ما كان يسمى بالأقليات القومية كانوا مطالبين بتغيير قوميتهم والادعاء بأنهم عرب.وفي حالة رفض أي أحد لما كان يسمى بتصحيح القومية فأن أي كردي أو تركماني أو أثوري يسكن كركوك، خانقين، مخمور، سنجار وطوز خورماتو وكل المناطق المتاخمة لمنطقة كردستان للحكم الذاتي كان يلاقي أشد الصعوبات في الحصول على عمل حتى في الحقل الزراعي أو شراء منزل أو إنشائه.

[5]   شركة نفط الشمال هي قسم من مؤسسة نفط العراق، وقد تسلمت إدارة البترول بعد تأميم شركة نفط العراق التي سبق وأن تأسست عام 1927.

[6]   أصبحت كركوك جزءا الإمبراطورية العثمانية عام 1746 ولغاية نهاية الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1924 تقرر في عصبة الأمم أن تعهد إلى العراق رغم المطالب التركية ورغبة سكان المدينة الموالين للإمبراطورية.

[7]   قد يكون هذا التعاطف يعود قسما ما أيضا إلى رفض تركيا لنشوء دولة كردية متاخمة لها ولمناطق نفوذها. وقد وافقت تركيا حتى على طلب واشنطن بشأن إرسال عدد محدود من المراقبين العسكريين إلى المدينة.

[8]   أكد جلال الطالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني موافقته على ذلك يوم الخميس، العاشر من أبريل 2003 بتحدثه باللغة التركية في محطة CNN الإخبارية ووعد بأن جنوده سوف يخلون المدينة في اليوم اللاحق.

[9]   في مارس 2003 رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية استخدام الأراضي التركية لفتح جبهة شمالية لغزو العراق.

[10]  قبل ذلك بتسعة أيام نظم الأكراد تظاهرة شارك فيها الآلاف إلا أنها انتهت بسلام.

[11]   أبرمت الاتفاقية عام 1926 بين الجمهورية التركية التي تخلت عن ولاية الموصل العثمانية التي كانت تضم كركوك. والرواية منقولة عن اوين ماثيوز في مقاله " قلعة كركوك، مدينة الظلال"، Cornucopia 2003 ، ص. 54-66

[12]   والمعروف أن هناك خمسة أضرحة للنبي دانيال في منطقة الشرق الأدنى.

                                                     ( خاص بموقع موسوعة تركمان العراق )